محمد متولي الشعراوي

230

تفسير الشعراوي

كثيرة عن كيفية السماوات والأرض وخلق الانسان . وكلها لن تصل إلى حقيقة . بل ستظل نظريات بلا دليل . ولذلك قال اللّه سبحانه وتعالى : « وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً » أي أن هناك من سيأتي ويضل . ويقول هكذا تم خلق السماوات والأرض ، وهكذا خلق الانسان . هؤلاء المضلون الذين جاءوا بأشياء هي من علم اللّه وحده . جاءوا تثبيتا لمنهج الايمان . فلو لم يأت هؤلاء المضلون ، ولو لم يقولوا خلقت الأرض بطريقة كذا والسماء بطريقة كذا . لقلنا ان اللّه تعالى قد أخبرنا في كتابه العزيز أن هناك من سيأتي ويضل في خلق الكون وخلق الانسان ولكن كونهم أتوا . فهذا دليل على صدق القرآن الذي أنبأنا بمجيئهم قبل أن يأتوا بقرون . والاستفادة من الشئ لا تقتضى معرفة أسراره . . فنحن مثلا نستخدم الكهرباء مع أننا لا نعرف ما هي ؟ وكذلك نعيش على الأرض ونستفيد بكل ظواهرها وكل ما سخره اللّه لنا . وعدم علمنا بسر الخلق والايجاد لا يحرمنا هذه الفائدة . فهو علم لا ينفع وجهل لا يضر . والكون مسخر لخدمة الانسان . والتسخير معناه التذليل ولا تتمرد ظواهر الكون على الانسان . وإذا كانت هناك ظواهر في الكون تتمرد بقدر اللّه . مثل الفيضانات والبراكين والكوارث الطبيعية . نقول إن ذلك يحدث ليلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى أن كل ما في الكون لا يخدمنا بذاتنا . ولا بسيطرتنا عليه ، وانما يخدمنا بأمر اللّه له ، والا لو كانت المخلوقات تخدمك بذاتك . فاقدر عليها حينما تتمرد على خدمتك . وكل ما في الكون خاضع لطلاقة قدرة اللّه . حتى الأسباب والمسببات خاضعة أيضا لطلاقة القدرة الآلهية . فالأسباب والمسببات في الكون لا تخرج عن إرادة اللّه . لذلك إذا تمرد الماء بالطوفان . وتمردت الرياح بالعاصفة . وتمردت الأرض بالزلازل والبراكين . فما ذلك الا ليعرف الانسان أنه ليس بقدرته أن يسيطر على الكون الذي يعيش فيه . واقرأ قوله سبحانه وتعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ ( 71 ) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ ( 72 ) ( سورة يس )